ما الفرق بين القوامة والولاية

سبق الحديث عن تعريف القوامة لغة واصطلاحًا، في بحث للدكتور: د. محمد بن سعد المقرن، وقد نشرناه في موقع لها أون لاين، تحت عنوان: القوامة الزوجية: أسبابها، ضوابطها، مقتضاها (الحلقة الأولى) وتعرفنا فيه على معنى القوامة في اللغة والاصطلاح.

 واليوم نتعرف على المعاني الواردة في الولاية، ونستعرض معنى الولاية في اللغة والاصطلاح، وذلك حتى يتضح الفرق بينهما.

 وبعد ذلك بإذن الله (في الحلقة القادمة) نبين المعاني التي وردت في الولاية، و نستعرض بعض التعاريف التي اقتصرت على مفهوم واحد للولاية، والتي وردت في مقالات أو مباحث أخرى، وبعضها قصر مفهوم الولاية على معنى واحد وهو ولاية عقد الزواج؛ وذلك انطلاقا من أن الفقهاء والمحدثين تكلموا عن الولاية في أبواب النكاح، أو ألحقوها فيه لورود الأدلة على اشتراط الولي في عقد الزواج.

 قد ورد حصر الولاية في هذا الجانب في تغريدات أو مداخلات لبعض الكتاب المشهورين مثل: الدكتور عيسى الغيث، عضو مجلس الشورى، وكذلك الشيخ: أحمد بن قاسم الغامدي، الذي أكد في تغريدة: أن الولاية مقتصرة فقط على عقد النكاح.

وورد أيضا في مقال منشور في جريد المدينة بعنوان: الولاية والوصاية والقوامة، للكاتبة: سهيلة زين العابدين حماد، حيث تكلمت على أن المرأة كاملة الأهلية كالرجل، وأوضحت الفرق بين الوصاية والولاية، ثم نقلت ورجحت مذهب الحنفية (الأحناف) في أنّ البالغة الرشيدة لا ولاية لأحد عليها، ويجوز تزوج نفسها، ولم ترد أو تبين مذهب جمهور العلماء في اشتراط الولي للمرأة عند عقد النكاح؛ ومن تزوج نفسها بدون ولي فنكاهحا باطل.

واليوم نذكر بمعنى القوامة في اللغة والاصطلاح، نقلا من مقال: القوامة الزوجية: أسبابها، ضوابطها، مقتضاها (الحلقة الأولى) للدكتور: د. محمد بن سعد المقرن.

 ثم نبين معنى الولاية في اللغة والاصطلاح، وهذه المعاني معرفتها مهمة للوقوف على أنواع الولاية ومعانيها.

 أولا: القوامة في اللغة: مِن قام على الشَّيء يقوم قيامًا؛ أي: حافظ عليْه وراعى مصالحَه، ومن ذلك القيم، وهو الَّذي يقوم على شأن شيء ويليه، ويُصْلِحه، والقيِّم هو السيِّد، وسائس الأمر، وقيِّم القوم: هو الَّذي يقومهم ويسوس أمورَهم، وقيِّم المرْأة هو زوْجُها أو وليُّها؛ لأنَّه يقوم بأمرها وما تحتاج إليْه.

ثانيا: القوامة في الاصطلاح:

أطلق الفُقهاء ثلاثة معان على لفظة (القوامة)، وهذه المعاني هي:

الأول: القيِّم على القاصر، وهي ولاية يعهد بها القاضي إلى شخصٍ رشيد ليقومَ بِما يصلح أمر القاصر في أموره الماليَّة.

الثاني: القيِّم على الوقف، وهي ولاية يفوض بِموجبها صاحبها بِحِفظ المال الموقوف، والعمل على بقائه صالحًا ناميًا بحسب شروط الواقف.

الثَّالث: القيِّم على الزَّوجة، وهي ولاية يفوّض بِموجبها الزَّوج تدبير شؤون زوجتِه والقيام بِما يصلحها، وهذا ما نحن بصدَد الحديث عنه.

وبناء عليه، يمكن القول بأنَّ القوامة الزوجيَّة: ولاية يفوّض بموجبها الزَّوج القيام على ما يصلح شأن زوجتِه بالتدبير والصيانة.

وبِهذا يتبيَّن أنَّ القوامة للزَّوج على زوجتِه تكليف للزَّوج، وتشريف للزَّوجة، حيث أوجب عليه الشَّارع رعاية هذه الزَّوجة التي ارتبط بها برباط الشَّرع واستحلَّ الاستمتاع بها بالعقد الَّذي وصفه الله – سبحانه وتعالى – بالميثاق الغليظ؛ قال تعالى: {وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا} [النساء: 21]. فالقوامة تشريفٌ للمرأة وتكريم لها، بأن جعلها تحت قيِّم يقوم على شؤونِها وينظر في مصالحها ويذبُّ عنها، ويبذل الأسباب المحقّقة لسعادتها وطمأنينتِها.

ثالثا: نتعرف على المعاني الواردة في الولاية، و نستعرض معنى الولاية في اللغة والاصطلاح، من خلال هذا البحث الذي توسع في معنى الولاية في الإسلام(*).

أولاً: الولاية في اللغة: الولاية في اللغة مأخوذة من الفعل الثلاثي (ولي) يقال: ولي الشيء وولي عليه وَلاية وولاية، والواو واللام والياء: أصل صحيح يدل على القرب والدنو، يقال: تباعد بعد وَلْي، أي: قُرْب، وجلس مما يليني، أي: يقاربني[1].

والوَلاية بفتح الواو، بمعنى النصرة، والتولي، ومنه قوله تعالى:﴿مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾[2].

وبكسرها (الوِلاية): السلطان والخِطة والإمارة والملك والبلاد التي يتسلط عليها الوالي، أو الفتح للمصدر، والكسر للاسم؛ لأنه اسم لما توليته وقمت به، فإذا أرادوا المصدر فتحوا[3] أو “بالكسر في الأمور[4] وبالفتح في الدين[5]، يقال هو والٍ على الناس، أي: متمكن الوِلاية بالكسر، وهو ولي الله تعالى، أي: بيِّن الوَلاية بالفتح، أو هما لغتان”[6].

قال ابن الأثير[7] رحمه الله: “وكأن الولاية تشعر بالتدبير والقدرة والفعل، وما لم يجتمع ذلك فيها لم ينطلق[8] عليه اسم الوالي”[9]. ا. هـ.

“والولي – فعيل بمعنى فاعل”[10] – من وليهُ: إذا قام به، وتولى أمره، وأعانه، ونصره وأحبه، ومنه قوله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا ﴾[11]، أي: نصيرهم وظهيرهم ويتولاهم بعونه وتوفيقه”[12]، وبمعنى مفعول في حق المطيع، ومنه قيل للمؤمن: ولي الله[13].

و(ولي اليتيم): الذي يلي أمره، ويقوم بكفايته، و(ولي المرأة): الذي يلي عقد النكاح عليها، ولا يدعها تستبد بعقد النكاح دونه، و(الموالي): هم ورثة الرجل وبنو عمه، وكل من ولي أمراً فهو مولاه ووليه.

و(الموْلى): المعتِق وهو “مولى النعمة”، والمعتَق، والصاحب، والحليف وهو “مولى الموالاة”، وابن العم، والناصر، والجار، والمالك، والمحب، والنـزيل، والشريك، كل هؤلاء من الوَلْي وهو القرب[14].

وبإمعان النظر فيما تقدم يتبين أن مدلول لفظ (الولاية) في اللغة يرجع إلى معان كثيرة، من أهمها: الحب، والنصرة، والسيادة، والقدرة، والتدبير، فهي كلمة تستعمل فيما يحتاج إلى تدبير وقدرة وعمل ناشئ عن نصرة، سببها معتبر، كالقرب والمحبة والحلف ونحو ذلك. والله أعلم.

ثانياً: الولاية في الاصطلاح: اختلف أهل العلم – رحمهم الله – في تعريفهم للولاية، وبخاصة في كتب المُحْدَثِين – الذين أفردوا الولاية ببحث مستقل – وقليل من هذه التعاريف سَلِم من الاعتراض والمناقشة، وسأذكر – إن شاء الله – جملة من هذه التعاريف، ثم أتبعها ببعض ما وجه إليها من انتقاد أو اعتراض – يؤثر في سلامتها ويجعلها غير صالحة للاختيار والرجحان – ومن ثَمَّ محاولة الخروج بتعريف سليم راجح خال من الاعتراضات.

ومن هذه التعاريف – التي عُرِّفت بها الولاية – ما يأتي:

1- الولاية: تنفيذ القول على الغير شاء أو أبى[15].

وقد اعترض على هذا التعريف: بأن الولاية صفة تقوم بالأشخاص، وليست تنفيذاً؛ لأن التنفيذ أثر للولاية لا أنه حقيقة لها. كما أنه تعريف غير جامع لأنواع الولاية[16]؛ لأن للشخص ولاية على نفسه وماله، فهو لا يشمل ولاية المرء على نفسه، بل هو مقتصر على ولاية الإجبار دون غيرها[17]، كما أنه يفيد أن المولى عليه يكون له مشيئة وإباء، مع أنه في بعض حالات الولاية يكون المولى عليه خالياً منهما، كما في الصغير غير المميز والمجنون[18].

ومما هو ملحوظ على هذا التعريف أيضاً أنه لم يذكر مصدر السلطة أو القوة التي مكنت الولي من تنفيذ قوله على الغير[19]، كما أنه يؤخذ عليه كذلك: حصر سلطة الولي في الأقوال مع أنها أوسع من ذلك، إذ الولاية شاملة للأفعال أيضاً كالحضانة والتربية ونحو ذلك[20].

2- الولاية: هي سلطة تجعل لمن تثبت له القدرة على إنشاء التصرفات والعقود وتنفيذها[21].

ويلاحظ على هذا التعريف: عدم تحديد نوع السلطة، فيدخل فيه صاحب السلطة غير الشرعية، كما أنه لم يذكر محل الولاية، مما يشعر أن تصرفات وعقود الولي لا تمس المولى عليه[22] مع أنه أحد فصول التعريف الرئيسة، فكان الأولى ذكره، كما أن الظاهر من التعريف حصر سلطة الولي في إنشاء التصرفات والعقود فقط مع أن مدلول الولاية أوسع من ذلك.

3- الولاية: قيام شخص كبير راشد على شخص قاصر، في تدبير شؤونه الشخصية والمالية[23].

وقد لوحظ على هذا التعريف: بأنه قَصَرَ الولاية على القاصر، مع كونها ثابتة على غيره كالبالغة في ولاية النكاح، إضافة إلى أنه لم يذكر مصدر الولاية.

4- الولاية: سلطة شرعية تمكن صاحبها من مباشرة العقود وترتب آثارها عليها دون توقف على إجازة أحد[24].

ويؤخذ على هذا التعريف: بأنه قصر سلطة الولي على العقود فقط، مع أن سلطته تشمل غيرها كالرعاية والتربية وسائر التصرفات، كما أنه لم يذكر محل الولاية (المولى عليه).

5- الولاية: سلطة يثبتها الشرع لإنسان معين، تمكن من رعاية المولى عليه من نفس ومال، وحفظه وتنميته بالطرق المشروعة[25].

وهذا تعريف جيد إلا أن فيه نوعاً من الطول، حيث احتوى على ألفاظ يمكنه الاستغناء عنها، كما أنه قصر الولاية على تنمية المال وحفظه، مع أن واجب الولي أشمل من ذلك، وربما كان من عمله إنفاقه على المولى عليه، وإخراج الحقوق منه[26].

6- الولاية: سلطة شرعية لشخص في إدارة شأن من الشؤون، وتنفيذ إرادته فيه على الغير من فرد أو جماعة[27].

يعتبر هذا التعريف من أفضل التعاريف المتقدمة – في نظري – إلا أنه يؤخذ عليه: كونه جعل للولي تنفيذ إرادته على الغير، مما يخرج ولاية الاختيار، كما أنه قصر الولاية على الفرد أو الجماعة، فأخرج الولاية على الوقف والوصية[28].

هذه بعض التعاريف الاصطلاحية عند الفقهاء لمعنى (الولاية)، وكما هو ظاهر فإن جميعها لم يسلم من المناقشة، ولم يخلُ من الاعتراض، إذ لوحظ على جميعها بعضُ الملحوظات والاستدراكات، الأمر الذي يتطلب اختيار تعريفٍ مناسبٍ خالٍ من هذه الاعتراضات، سليمٍ من هذه الملحوظات، وذلك على النحو الآتي:

(الولاية): هي سلطة شرعية يتمكن بها صاحبها من إدارة شؤون المولى عليه وتنفيذها[29].

شرح التعريف: قوله (سلطة): فيه اعتبار كون الولاية صفة قائمة بالأشخاص، وليس أثراً ناتجاً عنها، كما عبَّر بعضهم – فيما سبق – بـ(التنفيذ)، وَوَصْفُ السلطة بكونها (شرعية) يُخْرِج صاحب السلطة غير الشرعية كالمغتصِب، كما أن هذا الوصف يعتبر شاملاً لأنواع الولايات كلها، سواء كانت على النفس أم المال أم هما معاً، وسواء كانت خاصة أم عامة.

قوله (يتمكن بها صاحبها): فصل في التعريف، إذ فيه اعتبار شروط الولي المستحق للولاية من كونه مكلفاً مسلماً[30]، أي أنه من ذوي أهلية الأداء الكاملة، وفيه أيضاً معنى أن الولاية لا تعطى لكل أحد، بل هي ثابتة لأشخاص معينين، اعتبرت الشريعة فيهم صفات معينة، كما أنه شمل الولي الخاص، والولي العام.

وقوله (من إدارة شؤون): فيه اعتبار كون الولاية تتضمن عملاً واحداً فأكثر، وإنما كان التعبير بصيغة الجمع لاعتبار كون الولاية – في الغالب – تشتمل على أكثر من عمل، كما أنه شامل لجميع تصرفات الولي القولية والفعلية، من إنشاء عقود أو التزامات أو القيام بالحضانة والتربية ونحو ذلك.

وقوله (المولى عليه): هذا فصل في التعريف أيضاً، إذ فيه ذكر محل الولاية، حيث شمل القاصر كالصبي غير المميز والمجنون، وغير القاصر كالمرأة البالغة في ولاية النكاح، كما أنه دخل فيه الآدمي وغيره كالوقف والوصية ونحوهما.

وقوله (وتنفيذها): فيه اعتبار نتيجة الولاية وفائدتها من حيث ترتب الآثار الشرعية عليها بمجرد صدورها من الولي[31] من نفاذ العقود والالتزامات والتصرفات القولية والفعلية. والله أعلم.

          لماذا كان العنوان (ولاية التأديب) وليس (سلطة التأديب)؟

لقد كان سبب اختياري هذا العنوان، لأجل الانسجام بين المعنى اللغوي والاصطلاحي للفظ (الولاية)، حيث إنه يشمل معاني التدبير والرعاية والإرشاد والتوجيه، فهو لفظ “دَأَبَ الفقهاء المسلمون على استعماله عوضاً عن لفظ السلطة في مجال الوظيفة العامة، وذلك لنفورهم مما ينطوي عليه لفظ (السلطة) من إيحاء بالتسلط؛ لأن النظام الإسلامي يأبى التسلط بكل معانيه، فالأشبه بروح الإسلام هو اصطلاح الولاية؛ لما فيها من معاني الرعاية والاهتمام والتوجيه[32].

          وهذا المعنى المتقدم ينسحب انسحاباً كلياً على مقصود الولاية الخاصة، إذ هي في الحقيقة أشد حاجة – من الوظيفة العامة – إلى معاني الاهتمام والرعاية والتوجيه لأجل قوة سببها، إذ إن “الولاية الخاصة أقوى من الولاية العامة”[33]، “لأن كل ما كان أقل اشتراكاً كان أقوى تأثيراً وتمكناً”[34].

          إضافة إلى أن التعبير بلفظ (الولاية) يعني التمسك والاعتناء بهذه المعاني النبيلة الكريمة، والاعتزاز بتاريخنا، والاحترام والتقدير لعلماء الأمة الأجلاء[35].

المناسبة بين المعنى اللغوي والاصطلاحي لـ(الولاية):

هناك ترابط وانسجام ظاهر بين معنى الولاية في اللغة والاصطلاح، إذ إن الولي القائم على شؤون المولى عليه يكون في العادة قريباً منه غير بعيد عنه، محققاً لمعاني التدبير والقدرة والرعاية، وجلب المصالح ودرء المفاسد، في الأعمال التي يمارسها والتصرفات التي يقوم عليها لأجل حق مَوْليِّه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*)المصدر: من كتاب “ولاية التأديب الخاصة في الفقه الإسلامي (ولاية التأديب للزوجة والولد والتلميذ والعبد)”، تأليف د. إبراهيم بن صالح بن إبراهيم التنم، الأستاذ المساعد في قسم الفقه بكلية الشريعة والدراسات الإسلامية في الأحساء. موقع الألوكة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*