ماذا يعنى يوم عاشوراء

هل يفرح المسلمون بيوم عاشوراء؛ لأنه اليوم الذي نجى الله فيه موسى ـ عليه السلام ـ وقومه، من فرعون وجنده؟

أم ليربطنا المولى سبحانه وتعالى بالأنبياء السابقين، “فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْسورة الأنعام.

أم لتحقق وعد الله تعالى بانتصار المظلومين على الطغاة المتكبرين المتغطرسين.

أم لترسيخ القواعد الإيمانية الربانية والقرآنية في بيان أسباب تحقق النصر.

أم لنتذكر هذه الحوادث ونتعلم متى يستحق أن يتنزل نصر الله  تعالى على المؤمنين.

أم لإثبات أن الله تعالى ينصر رسله عند وصولهم لحالة من اليأس والإحباط.

أو لأن الله تعالى يتدخل بقدرته ويفرج عن عباده حين يحاطوا بالشدائد من كل جانب، ويوشكوا على الهلاك.

أم لترسيخ اليقين بأن النصر حليف للمؤمنين.

أو لأن الله تعالى يبين للعبد فوائد الإبتلاء ونتائج الصبر.

أم لبث الأمل بين اليائسين والمحبطين والمقهورين بأن النصر قريب، والفرج غير بعيد.

أو لأسباب أخر؟  

ومع التأكيد على أن هذا اليوم سبقه أيام أخر أليمة، ويذكرنا بأيام الله “وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ”سورة إبراهيم الأية 5.

 فيذكرنا يوم عاشوراء بذكريات عبقة تربطنا بتاريخ الأنبياء السابقين، وتذكرنا بأمجاد أمتنا، حتى نستلهم العبر، ونتعلم من الدروس ونستفيد من الحوادث.  

كيفية الاحتفال بيوم عاشوراء:    

قد شرع لنا الإسلام الاحتفال بيوم عاشوراء وبين لنا رسولنا كيفية هذا الاحتفاء وذلك بصيامه، ونهانا عن الابتداع في الدين، أو إقامة احتفالات بدعية، بل بين لنا الإسلام فضيلة يوم عاشوراء الذي نجى الله فيه موسى ـ عليه السلام ـ وقومه من فرعون وجنده؟ وكان موسى ـ عليه الصلاة والسلام ـ يفرح به ويصومه، وكان أهل الكتاب يصومونه، وكذلك قريش في الجاهلية كانت تصومه، وأم بصيامه نبينا محمد لما قدم ـ صلى الله عليه وسلم ـ المدينة ورأى صيام أهل الكتاب من اليهود وتعظيمهم له، وكان يحب موافقتهم طمعا في إسلامهم، (كما بين الإمام النووي في شرحه لصحيح مسلم في أحاديث صيام عاشوراء)، فصامه وأمر الناس بصيامه، ففي الصحيحين عن ابن عباس قال: (قدم رسول الله المدينة فوجد اليهود صياماً يوم عاشوراء، فقال لهم رسول الله: {ما هذا اليوم الذي تصومونه} قالوا: (هذا يوم عظيم أنجى الله فيه موسى وقومه، وأغرق فرعون وقومه، فصامه موسى شكراً لله فنحن نصومه)، فقال: نحن أحق بموسى منكم، فصامه رسول الله وأمر بصيامه).  

فتح أبواب الأمل:

عندما تمر بنا ذكرى يوم عاشوراء، ونجد أن الظلم هو السائد في كثير من بلاد المسلمين، ونشعر أن الإحباط قد أصاب الكثيرين، واليأس سيطر على العديدين،  وبعض الشعوب تسرب اليأس لنفوسها من قوة الخطط  وشدة المؤامرات الخارجية التي تحاك ضد الإسلاميين، مع تفجر الصراعات الداخلية، واستمرار الفتن والمؤامرات الخارجية، والتي مزقت جسد الأمة، وقضت على وحدتها، ومحت عزتها، وشوهت تاريخها، وأضاعت كرامتها، وباتت عاجزة عن إعادة مجدها! ومازال المسلمون في حالة من الضعف والهوان، وغالبية الدول تمزقها الصراعات، والأمل لا يزال بعيدا في إعادة المسلمين لسابق عهدهم وانتشار مناهج الإصلاح بينهم، وتحقق التقدم والنهضة والتخلص من الفساد والمفسدين.

          وفي كل بلد من بلاد الإسلام نجد أن المسلمين منشغلون بقضية كبرى، أو تحل بهم مصيبة عظمى، أو منهمكون بحروب داخلية، أو بمؤامرات مستمرة أشعلها المحتل قبل رحيله؛ ليظل المسلمون غافلين عن العودة لقيادة البشرية.

عاشوراء و عودة الأمل للمستضعفين:

 وتأتي ذكرى عاشوراء العظيمة،  لتعطينا الأمل في قرب تحقق النصر لمن يسأل: متى نصر الله، وتعيد الأمل للنفوس المؤمنة بأن النصر قريب، وترسخ اليقين في قلوبنا أن النصر من عند الله تعالى وعلينا أن نأخذ باسبابه، وأن الأمل موجود في قرب عودة المسلمين لسابق عهدهم، واسترداد حقوقهم، مع الاقتراب والاقتناع بضرورة تحقق الوحدة بينهم والاعتصام بحبل الله تعالى.

ومن أحداث عاشوراء نتأكد أن النصر للمؤمنين الصادقين، فإذا أراد الله تعالى أن ينجي المستضعفين من بطش الظالمين؛ هيأ لهم  أسباب النصر الحقيقية. فيوم عاشوراء يذكرنا أن الله مع المؤمنين، وأنه تعالى ينصر رسله، وينزل تأييده لعباده المؤمنين إذا استحقوا النصر، وينجي عباده الموحدين من بطش الطغاة والمتكبرين.

     ففي العاشر من المحرم وقع الحدث العظيم، و تحقق النصر المبين، و أظهر الله فيه الحق على الباطل، حيث نجى الله تعالى فيه موسى عليه السلام وقومه، وأغرق فرعون الطاغية المتكبر.

الارتباط بتاريخ الأنبياء

شرع لنا الإسلام أن نفرح بيوم عاشوراء  ليربطنا المولى سبحانه وتعالى بالأنبياء السابقين ومنهم موسى عليه السلام، قال تعالى: وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاء إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ، وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ،  وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِينَ، وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلاًّ فضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ، وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ،  ذَلِكَ هُدَى اللّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ، أُوْلَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاء فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَّيْسُواْ بِهَا بِكَافِرِينَ، أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ”الأنعام83 ـ 89.

إهلاك الطاغية:

وهذه الذكرى العظيمة تربطنا بقصة فريدة، وفيها دروس عديدة، وتبين نهاية الطاغية فرعون الذي علا في الأرض، وجعل أهلها شِيَعًا، يستضعفُ طائفةً منهم، يُذبِّحُ أبناءَهُم ويستحيي نساءَهم، والذي تمادى به الطغيانُ حتى بلغ به أن قال لهم: “يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِّي صَرْحًا لَّعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ”القصص 38، وقال لهم: “فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى” النازعات 24، فكان عاقبتَهُ الإهلاكُ بالغرقِ في اليمِّ، جزاءَ استكباره هو وجنودِه في الأرض بغير الحق، وكانَ أنْ قصَّ اللهُ نبأَ نهايةِ طغيانه، وقطعِ دابر ظُلمهِ، في قرآنٍ يُتْلى؛ ليكونَ عبرةً للمعتبرين، و يعطينا الأمل ويبعث الثقة  في نفوس المستضعفين ويبشرهم بقرب الفرج، فتثبت معجزة ولادة موسى عليه السلام، وتثبيت قلب أم موسى، أنه لا راد لأمر الله تعالى، فأمره إذا أراد شيئا فإنما يقول له كن فيكون، فكانت الظروف قاسية والظلم متغطرس، والتكبر مستمر، والتعذيب متواصل، ومع ذلك تأتي المبشرات، والنعم والمن من الله تعالى، قال تعالى: (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ* وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ* وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُون) القصص/4-6.

بث الأمل بعد اليأس:

          وفي هذا الظلم البين، وسط الجو القاتم، وفي ظل الظروف القاسية يأتي الفرج واضحا جليلا ليفرج عن أم موسى التي لا تدري ماذا تفعل سوى الاستسلام لأمر الله تعالى، قال سبحانه و تعالى: “وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ”سورة القصص، فهو وحده سبحانه وتعالى الذي يخطط ويدبر لينقذ المؤمنين، ويهيأ لهم جميع الأسباب لتحقيق النصر وإهلاك الظالمين.

 فمن الذي طمأن أم موسى، وأنزل عليها السكينة؟ فمن الذي حرم عليها المرضعات لتفوز هي فقط بإرضاع ابنها، بل وتحمله فيما بعد إلى بيتها، ومن الذي جعل موسى ينشأ ويتربى ويترعرع في بيت الطاغية فرعون؟ ومن الذي نجاه بعد ذلك من فرعون وجنوده؟ بل وأهلك هؤلاء الظالمين، فهل إذا تذكرنا هذه الأحداث، يتسرب اليأس إلى نفوسنا؟ أو أليست هذه القصة العظيمة تمنع تسرب اليأس إلى نفوس جميع المسلمين المستضعفين.

ذكرى عاشوراء وعودة الأمل: فهذه الذكرى العطرة تساهم في إعادة الأمل لنفوسنا، وتزرع الثقة في قلوبنا، وتبشرنا وترسخ اليقين في نفوسنا أن النصر من عند الله تعالى، وعلينا أن نبحث ونتأكد من أننا قد نصرنا الله عز وجل أولا، لنستحق أن يتنزل علينا نصره، ولا بد أن نكرر طرح  هذا السؤال: هل نحن ـ معشر المسلمين المستضعفين ـ مؤهلين فعليا لئن يتنزل علينا نصر الله تعالى، فهل قمنا بنصر الله عز وجل أولا؛ ليتحقق وعد الله تعالى لنا، حيث قال تعالى:”يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ”سورة محمد.

تكرار مواسم الخيرات:

فمن نعم الله على عباده أن يكرمهم  بتكرار مواسم الخيرات، ليمنحنا الفرصة لتجدد الأمل، ويعطينا هدية ليمنحنا العفو ويهب لنا التوبة، فما أن انقضى موسم الحج المبارك، ويعود منه الحجاج بذنب مغفور إلا وتبعه شهر كريم، هو شهر الله المحرم، والذي فيه يوم عاشوراء، والذي له فضائل وأحكام فقد روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي أنه قال: “أفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله الذي تدعونه المحرم”.

وقد ردت أحاديث كثيرة عن فضل يوم عاشوراء والصوم فيه، ففي الصحيحين عن ابن عباس أنه سئل عن يوم عاشوراء فقال: (ما رأيت رسول الله يوماً يتحرى فضله على الأيام إلا هذا اليوم – يعني يوم عاشوراء – وهذا الشهر يعني رمضان).

نسأل الله تعالى أن يفرج عن المسلمين، ويمنحهم الأمل في تحقق النصر، ويخرجهم مما هم فيه ويفرج عنهم كما فرج عن موسى عليه السلام وقومه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*