كيف يتحقق الاحسان

الإحسان من الحُسنِ أو الجَمال، وهو كاسم معناه عمل الخير والبِرّ تقديم المساعدة لمُحتاجيها. وعندما أتى ديننا الحنيف، أصبح للإحسان تعريفٌ اصطلاحي، هو كما جاء على لسان رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم في حديث جبريل عليه السلام (هو أن تعبُدَ الله كأنك تراه، فإن لم تكُنْ تراه فإنه يراك). والإحسان يكون بعمل جميع ما ينفع في كل الأحوال، وأن يكون عمل الإنسان خالصاً لربه ومتقَناً. العمل الجيد محمود، ولكن التفاني في العمل وإتقانه بأكثر مما يُفترض؛ فهذا هو الإحسان. وعبارة (كأنك تراه) المذكورة في الحديث الشريف؛ تعني أن تستحضر مراقبة الله سبحانه وتعالى لك قبل عمل أي شيء، فتقوم بأداء ما عليك وكأن الله سيحاسبك عليه الآن وليس آجلاً. وفي الحديث ربطٌ بين عبادة الله والإحسان، فالله طيب لا يقبلُ إلا طيباً، ولذلك وجب الإحسان في العبادة للتأدُّبِ مع الله عزَّ وجل. قال تعالى (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي القُرْبى)، الإحسان أمرٌ مقرونٌ بالعدل وصلة الرحم، فلكي تكون العبادة صحيحة؛ لا بُدَّ من الإحسان فيها، فيؤديها العبد وكأن الله سيحاسبه عليها فوراً، فلا يُقصِّر ولا يؤجِّل، فالحساب الآن وليس غداً. وبعد ذلك يخبرنا الله عزَّ وجل بمكانة المحسنين عنده في قوله (وَأَحْسِنُواْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ). الله يحبهم، وهنيئاً لِمن أحبه الله مِنَّا. الإحسان كذلك مطلوب في كل الأمور وليس في العبادة وحدها، فالطالب يجبُ أن يكون محسناً في دراسته، فلا يدرسُ إلا ما ينفعه، ويبتعد عمَّا لا يُفيده، ويجِدُّ ويجتهد في دراسته وكأنه الآن سيتلقَّى امتحاناً يُحدِّدُ مصيره. والموظف مطلوبٌ منه الإحسان في عمله، فيقوم بتأدية الواجبات والمهام الموكلة إليه بإخلاصٍ وأمانة وإتقان، وأن يراعي الله في كل الأمور التي يفعلها في عمله، فلا يُقصِّر ولا يتهرَّب، ولا يُلقي بمهامه على عاتق سواه، بل وقد يؤديه بأفضل مِمَّا يُطلب منه. ومن الإحسان في تأدية حقوق الخلق وأعظمها؛ برّ الوالدين. وهو الأمر الوحيد الذي قرنه الله سبحانه وتعالى بعبادته، فالبرّ بالوالدين لا يكون بمعناه البسيط، بل لا يكون بِرَّاً إلا إذا اقترن بالإحسان – والله أعلم – وذلك لأنه بعد عبادة الله مباشرة. ومنصور الإحسان الأخرى؛ صلة الرحم، الرَّحم معلَّقة بالعرش، مَن وصلها وصله الله؛ ومَن قطعها قطعه الله. وقِس على ذلك كل أمور المعاملات في الناس، من إكرام للضيف ومساعدة للمحتاجين وعونٌ للفقير، وفع الحقوق لطالبيها، إلى آخره من هذه التعاملات الإنسانية. العمل بحدِّ ذاته له أجر، سواء كان عبادة أو عملٌ دنيوي طلباً للرِّزق، والأجرُ يُدفعُ بعد أداء العمل وليس قبله ولا أثناءه، والأجر الأعظم عندما يقترن هذا العمل بالإحسان، فيزيد الأجر وترتفع مرتبة الإنسان. فعلى سبيل المِثال – ولله المثَلُ الأعلى – عندما يطلب صاحب شركة من موظف أن يقوم بإعداد تقريرٍ ما في وقتٍ محدَّد؛ ويقوم هذا الموظف بعمله ويُسلِّم التقرير على الموعد. هذا أداء الواجب وهو يأخذ عليه راتباً شهرياً، ولكن لو أنه قام بعمل التقرير بإحسان، كأن يُضيف عليه أموراً يرى من وجهة نظرة أنها مفيدة أكثر للشركة، أو يُضيف بعض التحليلات والصور البيانية؛ مِمَّا يجعل تقريره أكثر فائدة؛ ثم قام بتسليمه قبل الموعد المحدَّد، هذا هو الإحسان، وسو يلقى عمله هذا استحسان صاحب العمل، وقد يأخذ على عمله مكافأة أو ترقية فيما بعد. فتدبَّروا يا أولي الألباب، وأحسِنوا، إن الله يحبُّ المحسنين.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*